شرح
المنظومة البيقونية
[في علم مصطلح الحديث]
شرح فضيلة الشيخ
ابن عثيمين
أَبْدَأُ بِالحَمْـــــدِ مُصَلِّيَـــاً عَلَى ... مُحَمَّدٍ خَيْرِ نَبِيٍّ أُرْسِلا َ
وَذِي من أقْسَامِ الحَدِيثِ عِــدَّهْ ... وَكُلُّ وَاحِدٍ أَتَى وَحَدَّه ْ
أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ وَهْوَ مَا اتَّصـل ... إسْنَادُهُ وَلَمْ يَشُذَّ أَوْ يُعَلْ
يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِــطٌ عَنْ مِثْلِه ِ... مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِه
و الحســن المَعْرُوفُ طُرْقاً وَغَدَتْ ... رِجَالُهُ لاَ كَالصَّحِيحِ اشْتَهَرَتْ
وَكُلُّ مَا عَنْ رُتْبَةِ الحُسْنِ قَصرْ ... فَهْوَ الضَّعِيفُ وَهْوَ أَقْسَاماً كَثُرُ
البيت السادس
البيت السابع
بدأ المصنف بحمد الله ومعنى الحمد كما قال العلماء: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً
ومعنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم هو: طلب الثناء عليه من الله تعالى، وهذا ما إذا وقعت الصلاة من البشر، أما إذا وقعت من الله تعالى فمعناها ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى
وقوله خير نبي أرسلا: جمع المؤلف هنا بين النبوة والرسالة، لأن النبي مشتق مع النبأ فهو فعيلٌ بمعنى مفعول، أو هو مشتق من النبوة أي نبا ينبوا إذا ارتفع، والنبي لا شك أنه رفيع الرتبة، ومحمد صلى الله عليه وسلّم أكمل منْ أرسل وأكمل من أنبىء، ولهذا قال محمد خير نبي أرسلاً
ذي: اسم إشارة. والمشار إليه: ما ترتب في ذهن المؤلف المراد بقوله "أقسام الحديث" هنا علم الدراية وقوله "عدَّه" أي عدد ليس بكثير
.وقوله "وكل واحد أتى وحدَّه" أي أن كل واحد من هذه الأقسام جاء به المؤلف
وقوله "أتى وحدَّه" الواو هنا واو المعيَّة، و"حدَّه" مفعول معه ومعنى "حدَّه" أي تعريفه
والحدُّ: هو التعريف بالشيء
الأول : الصحيح .. وهو ما اتصل اسناده بنقل العدل الضابط عن مثله الى منتهاه من غير شذوذ ولا علة
الصحيح له خمسة شروط : اتصال السند - عدالة الرواة - ضبط الرواة - عدم الشذوذ - عدم العلة
متصل : يأخذه كل راوي عمن فوقه
العدالة : استقامة الرجل في دينه ومروءته
الضابط : هو الذي يحفظ ما روى تحمّلاً وأداءً
الشاذُّ هو: الذي يرويه الثقة مخالفاً لمن هو أرجح منه، إما في العدد، أو في الصدق، أو في العدالة أو هو مخالفة المقبول لمن هو أرجح منه عددا أو حالا
العلة : سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث مع أن الظهر السلامة منه
القسم الثاني : الحديث الحسن
المعروف طرقاً: يعني المعروفة طرقه، بحيث يكون معلوماً أن هذا الراوي يروي عن أهل البصرة، وهذا عن أهل الكوفة، وهذا عن أهل الشام، وهذا عن أهل مصر، وهذا عن أهل الحجاز، وما أشبه ذلك
قوله: "وغدت رجاله لا كالصحيح" يعني أن رجاله أخف من رجال الصحيح، ولهذا قال "لا كالصحيح اشتهرت" إذاً يختلف الحسن عن الصحيح، بأن رجاله ليسوا كرجال الحديث الصحيح، والمراد أنهم ليسوا كرجال الحديث الصحيح في الضبط
قلت : تعريف الحديث الحسن : هو الصحيح اذا خف ضبط أحد رواته
الحديث الضعيف هو القسم الثالث في النظم، وهو: ما خلا عن رتبة الحديث الحسن
ومعلوم أنه إذا خلا عن رتبة الحديث الحسن، فقد خلا عن رتبة الصحة
وحينئذ نقول: الحديث الضعيف: ما لم تتوافر فيه شروط الصحة والُحسن، أي ما لم يكن صحيحاً ولا حسناً
عرف المؤلف ثلاثة أقسام من الحديث
والواقع أنهم خمسة على ما قرره الحافظ ابن حجر
الأول : الصحيح لذاته .. وهو ما سبق تعريفه
الثاني : الصحيح لغيره .. وهو الحسن اذا تعددت طرقه
الثالث : الحسن لذاته .. وهو ما سبق تعريفه
الرابع : الحسن لغيره .. وهو الضعيف ضعف يسير اذا تعددت طرقه
الخامس : الضعيف .. وهوما ليس صحيحا ولا حسنا
ذكر المؤلف رحمه الله نوعين من أنواع الحديث وهما المرفوع - والمقطوع
وهما القسم الرابع والخامس مما ذكر في النظم
ونقول: إن الحديث باعتبار من أسند إليه ينقسم إلى ثلاثة أقسام تختلف باختلاف منتهى السند
الأول : المرفوع، وهو انتهى سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلّم
الثاني : الموقوف، ولم يذكره الناظم هنا وسيذكره فيما بعد، وهو وما انتهى إلى الصحابي
الثالث : المقطوع وهو ما انتهى إلى من بعده
والمقطوع غير المنقطع كما سيأتي
القسم السادس من أقسام الحديث : المسند
المسنَد: هو المتصل الإسناد، من راويه حتى المصطفى محمد صلى الله عليه وسلّم
وقوله: "ولم يَبِنْ" هذا تفسير للاتصال، يعني لم ينقطع
فالمسند عنده إذاً هو المرفوع المتصل إسناده
أما كونه مرفوعاً فيؤخذ من قوله: حتى المصطفى
أما كونه متصل الإسناد فمن قوله المتصل الإسناد - ولم يبن" هذا هو المسند
وعلى هذا فالموقوف ليس بمسند، لأنه غير مرفوع أي لم يتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلّم
وكذلك المنقطع الذي سقط منه بعض الرواة ليس بمسند، لأننا اشترطنا أن يكون متصلاً
المتصلُ على كلام المؤلف هو: المرفوع الذي أخذه كل راوي عمن فوقه سماعاً
فاشترط المؤلف للمتصل شرطين
الأول : السماع بأن يسمع كل راوٍ ممن روى عنها
الثاني: أن يكون مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلّم.
لقوله "للمصطفى" يعني إلى المصطفى
وبناء على ذلك، فالموقوف، والمقطوع، لا يسمى متصلاً؛ لأن المؤلف اشترط أن يكون متصلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، وفي المقطوع، والموقوف لم يتصل السند إلى النبي صلى الله عليه وسلّم.
وكذلك المرفوع، إذا كان فيه سقط في الرواة، فإنه لا يسمى متصلاً، لأنه منقطع
المسلسل هو الذي اتفق فيه الرواة، فنقلوه بصيغة معينة، أو حال معينة
يعني أن الرواة اتفقوا فيه على وصفٍ معيَّن، إما وصف الأداء، أو وصف حال الراوي أو غير ذلك.
والمسلسل من مباحث السند والمتن جميعاً؛ لأن التسلسل قد يكون فيهما، أو في أحدهما دون الآخر
ولذلك أمثلة كثيرة منها: حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال له: "إني أحبُّك فلا تدعنَّ أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك".
فقد تسلسل هذا الحديث وصار كل راوٍ إذا أراد أن يحدّث به غيره، قال لمن يحدثه هذه الجملة "إني أحبُّك فلا تدعنَّ أن تقول ... " الحديث
فهذا مسلسل لأن الرواة اتفقوا فيه على هذه الجملة
وكذلك لو قال: حدثني على الغداء، ثم إن هذا الراوي حدث الذي تحته وهو على الغداء فقال: حدثني فلان على الغداء، قال حدثني فلانٌ على الغداء، قال حدثني فلان على الغداء، فنُسمي هذا مسلسلاً،
لأن الرواة اتفقوا فيه على حال واحدة فأدّوا وهم على الغداء
وكذلك إذا اتفق الرواة على صيغة معينة من الأداء بحيث أنهم كلهم قالوا: أنبأني فلانٌ، قال أنبأني فلان، قال: أنبأني فلان، إلى نهاية السند، فإننا نسمي هذا أيضاً مسلسلاً، لاتفاق الرواة على صيغة معين وهي أنبأني
قوله: "مسلسل قل ما على وصفٍ أتى".
يعني أن ما أتى على وصف واحد من الرواة، سواء كان هذا الوصف في صيغة الأداء، أو في حال الراوي، فإذا اتفق الرواة على شيء، إما في صيغة الأداء، أو حال الراوي فإن ذلك يسمى مسلسلاً
قوله: "مثل أما والله أنبأني الفتى".
وقد تقدم هذا المثال، وذلك بأن يقول كل واحد منهم: أنبأني فلان، قال: أنبأني فلان إلى نهاية السند، فإننا نسمي هذا مسلسلاً؛ لأن الرواة اتفقوا فيه على صيغة واحدة في الأداء، ومثله ما لو اتفقوا على صيغة سمعت، أو قال، أو نحو ذلك فإن كل هذا يسمى مسلسلاً
ثم قال المؤلف رحمه الله: - كذاكَ قدْ حدَثَنيه قائما ... أو بعدَ أن حدَّثَنِي تَبَسَّمَا
يعني أن من صور المسلسل، أن يقول الراوي: حدثني فلان قائماً، قال: حدثني فلان قائماً، قال حدثني فلان قائماً، قال: حدثني فلان قائماً وهكذا إلى نهاية السند
ومثله ما لو قال: حدثني فلان وهو مضطجع على فراشه، ثم اتفق الرواة على مثل ذلك فإنه يكون مسلسلاً.
ومن صوره أن يقول: حدثني، ثم تبسم، ويستمر ذلك في جميع السند.
ولو أن الرواة اتفقوا في رواية حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قصة الرجل المجامع في نهار رمضان، الذي قال بعد أن أتته الصدقة: يا رسول الله، أعلى أفقر مني؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي صلى الله عليه وسلّم حتى بدت نواجذه، فصار كل محدث يضحك إذا وصل إلى هذه الجملة، حتى تبدوا نواجذه، فنُسمِّي هذا أيضاً مسلسلاً، لأن الرواة اتفقوا فيه على حال واحدة وهي الضحك
ما هي الفائدة من معرفة المسلسل؟
نقول: إن معرفة المسلسل لها فوائد هي
أولاً: هو في الحقيقة فن طريف، حيث إن الرواة يتفقون فيه على حال معينة لاسيما إذا قال: حدثني وهو على فراشه نائمٌ، حدثني وهو يتوضأ، حدثني وهو يأكل، حدثني ثم تبسم، حدثني ثم بكى، فهذه
الحالة طريفة، وهي أن يتفق الرواة كلهم على حال واحدة
ثانياً: أن في نقله مسلسلاً هكذا؛ حتى لدرجة وصف حال الراوي، فيه دليل على تمام ضبط الرواة، وأن بعضهم قد ضبط حتى حال الراوي حين رواه، فهو يزيد الحديث قوة
ثالثاً: أنه كان التسلسل مما يقرب إلى الله، صار فيه زيادة قربة وعبادة، مثل ما في حديث معاذ - رضي الله عنه - "إني أحبك فلا تدعنَّ ... " فكون كل واحد من الرواة يقول للثاني إني أحبُّك، كان هذا مما يزيد في الإيمان، ويزيد الإنسان قربة إلى الله تعالى، لأن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله
العزيز والمشهور، وبهما يتم التاسع والعاشر من أقسام الحديث التي في النظم
العزيز في اللغة: مأخوذ من عزَّ إذا قوي، وله معاني أُخرى، منها القوة، والغلبة، والامتناع، لكن الذي يهمنا في باب المصطلح هو المعنى الأول وهو القوة
أما في الاصطلاح فهو: ما رواه اثنان عن اثنين عن اثنين إلى أن يصل إلى منتهى السند
والمؤلف هنا لم يشترط أن يكون مرفوعاً، فيشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، لأنه قال "مروي اثنين" ولم يقل "مروي اثنين مرفوعاً"، ولهذا فإنه لا يشترط في العزيز أن يكون مرفوعاً
ووجه تسميته عزيزاً: لأنه قوي برواية الثاني، وكلما كثُرَ المخبرون ازداد الحديث أو الخبر قوة، فإنه لو أخبرك ثقة بخبر، ثم جاء ثقة آخر فأخبرك بنفس الخبر، ثم جاءك ثالث، ثم رابع، فأخبروك بالخبر، لكان هذا الخبر يزداد قوة بازدياد المخبر به
وقوله "أو ثلاثة".
"أو" للتنويع، ومن حيث الصيغة يحتمل أن تكون للخلاف لكنه لما قال فيما بعد "مشهور مروي فوق ما ثلاثة" عرفنا أن "أو" هنا للتنويع يعني أن العزيز هو ما رواه اثنان عن اثنين إلى آخره، أو ما رواه ثلاثة عن ثلاثة إلى آخره. فما رواه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهى السند يعتبر - في رأي المؤلف - عزيزاً لأنه قوي بالطريقين الآخرين
ولكن المشهور عند المتأخرين: أن العزيز هو: ما رواه اثنان فقط.
وأن المشهور هو: ما رواه ثلاثة فأكثر، وعلى هذا فيكون قول المؤلف "أو ثلاثة" مرجوحاً، والصواب أن العزيز هو: ما رواه اثنان فقط من أول السند إلى آخره.
أما لو رواه اثنان عن واحد عن اثنين عن اثنين إلى منتهاه فإنه لا يسمى عزيزاً، لأنه اختل شرط، في طبقة من الطبقات، وإذا اختل شرط ولو في طبقة من الطبقات اختل المشروط
وهل العزيز شرطٌ للصحيح؟
نقول: إن العزيز ليس شرطاً للصحيح.
وقال بعض العلماء: بل إنه شرط للصحيح والارجح الأول
قوله: "مشهور مروي فوق ما ثلاثة".
هذا رأي المؤلف، وعلى القول الراجح نقول: مشهور مروي فوق ما اثنين، فالمشهور على كلام المؤلف هو ما رواه أربعة فصاعداً، وعلى القول الصحيح هو: ما رواه ثلاثة فصاعداً، ولم يصل إلى حد التواتر.
والمشهور يُطلق على معنيين هما:
1 - ما اشتهر بين الناس.
2 - ما اصطلح على تسميته مشهوراً.
أما ما اشتهر بين الناس فإنه أيضاً على نوعين:
أما اشتهر عند العامة.
ب ما اشتهر عند أهل العلم.
فأما ما اشتهر عند العامة: فلا حكم له؛ لأنه قد يشتهر عند العامة بعض الأحاديث الموضوعة فهذا لا عبرة به، ولا أثر لاشتهاره عند العامة، لأن العامة ليسوا أهلاً للقبول أو الرد، حتى نقول إن ما اشتهر عندهم مقبول، ولهذا نجد كثيراً من الأحاديث المشتهرة عند العامة قد ألَّف العلماء فيها مؤلفات مثل كتاب "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث
ومما اشتهر من الأحاديث عندهم "خير الأسماء ما حِّمد وعُبِّد"1 وهذا مشتهر عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث لا أصل له، ولم يصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم، بل قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن" 2.
ومثله "حب الوطن من الإيمان"3 وهو مشهور عند العامة على أنه حديث صحيح، وهو حديث موضوع مكذوب، بل المعنى أيضاً غير صحيح بل حب الوطن من التعصب.
ومثله حديث "يوم صومكم يوم نحركم"4 وهو مشهور عند العامة، على أنه حديث صحيح، وهو لا أصل له.
ومثله ما يقال "رابعة رجب غرة رمضان فيها تنحرون" وهو حديث منمق لا أصل له، ويعني أن اليوم الرابع لرجب، هو اليوم الأول لرمضان، وهو اليوم العاشر لذي الحجة، وهو باطل غير صحيح.
والنوع الثاني هو المشهور عند العلماء فهذا يحتج به بعض العلماء وإن لم يكن له إسناد، ويقول: لأن اشتهاره عند أهل العلم، وقبولهم إياه وأخذهم به، يدل على أن له أصلاً.
ومن ذلك حديث "لا يقاد الوالد بالولد" 5 يعني لا يُقتل الوالد
الشرح